29 يونيو 2026
من اليسار إلى اليمين: فلاح السيد، مايكل خامباتا،ممثلة منظمة «ريبريف»، ويحيى عسيري، يتحدثون عن استخدام عقوبة الإعدام في المملكة العربية السعودية وعلاقتها بالتعذيب والإعدام التعسفي وتآكل المعايير الدولية، وذلك خلال حدث أقيم في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في 25 يونيو 2026. © منا لحقوق الإنسان.
في 25 يونيو 2026، على هامش الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، نظّمت منظمة منّا لحقوق الإنسان حدث جانبي بالاشتراك مع منظمة "ريبريف" ، ومنظمة "القسط" لحقوق الإنسان ، ومنظمة العفو الدولية، والمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، ومركز الخليج لحقوق الإنسان، أظهرت خلاله كيف يرقى استخدام عقوبة الإعدام في السعودية إلى مستوى التعذيب والإعدام التعسفي، بما يقوّض المعايير الدولية. وجاء هذا الحدث الجانبي عقب نشر المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً مؤخراً تقريره حول عقوبة الإعدام من منظور حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وحماية الكرامة الإنسانية.
جمعت حلقة النقاش مدافعين عن حقوق الإنسان وخبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني ممن يوثق عملهم حالات الإعدام في السعودية. وحضر الحدث ممثلون عن العديد من الدول، من بينها فنلندا وليبيا والسويد والدنمارك والهند ونيوزيلندا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال وأيرلندا وسويسرا والنرويج وليختنشتاين وتنزانيا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي.
لافتتاح النقاش، عرض مايكل خامباتا أبرز نتائج التقرير المواضيعي الصادر عن المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً. ويخلص التقرير إلى أن عقوبة الإعدام، بحكم طبيعتها وطريقة تنفيذها، تشكل فعلاً من أفعال التعذيب وسوء المعاملة، وأنها لا يمكن أن تتوافق مع الحظر المطلق للتعذيب وواجب حماية الكرامة الإنسانية.
وأوضح علي الدبيسي، في مداخلاته، أن استخدام السعودية لعقوبة الإعدام ليس نتيجة أخطاء معزولة، بل ينبع من قرارات سياسية، في ظل فشل المحاكم في أداء دورها كضابط لهذه السلطة. وأشار إلى أن السعودية سجلت رقماً قياسياً في عدد عمليات الإعدام في عام 2024، لتكسر هذا الرقم مجدداً في عام 2025. ودعا إلى وقف فوري لعقوبة الإعدام في السعودية، محذراً من أن صمت الدول الأخرى ودعمها يسمحان باستمرار هذه "السياسة الدموية". ووصف عقوبة الإعدام كذلك بأنها أداة تُستخدم ضد مجتمعات الأقليات، وبشكل أوسع ضد أي شخص تريد السلطات إسكاته.
وتابعت فلاح السيد النقاش، مذكّرة بأن القانون الدولي لا يجيز عقوبة الإعدام إلا في حالة "أشد الجرائم خطورة"، أي الجرائم البالغة الجسامة التي تنطوي على القتل العمد. وعلى الرغم من ادعاءات السعودية بالتزامها بهذا المعيار، فإن المملكة تستخدم على نطاق واسع، في الممارسة العملية، جرائم تقديرية واسعة التعريف، بما يتيح إصدار أحكام بالإعدام في قضايا لا تنطوي على قتل عمد، بما في ذلك الجرائم المتعلقة بالمخدرات، وكذلك الجرائم المرتبطة بأطر قانونية فضفاضة تتعلق بالإرهاب والأمن الوطني. وفي معرض حديثها عن كيفية تعامل آليات الأمم المتحدة مع الحالات الفردية، أشارت فلاح السيد إلى أن الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي قد أعرب باستمرار عن قلق بالغ، وأصدر آراءً متعددة خلص فيها إلى تعسفية استخدام عقوبة الإعدام في السعودية. وشمل ذلك قضايا تتعلق بقاصرين، وقضايا نابعة من ممارسة حرية التعبير، وقضايا تتعلق بفئات من الأقليات ورعايا أجانب. وقالت إن التحدي اليوم لا يكمن في غياب انخراط الأمم المتحدة، بل في التنفيذ، إذ فشلت السعودية بشكل متكرر في تنفيذ آراء الفريق العامل.
وفي عرضها لحالات الإعدام في السعودية، أوضحت ممثلة منظمة "ريبريف" أن التعذيب يُستخدم غالباً لانتزاع الاعترافات، التي تصبح بعد ذلك الدليل الوحيد الذي تعتمد عليه المحكمة. ووصفت المعاناة النفسية التي يواجهها الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام، بدءاً من لحظة القبض عليهم، بما في ذلك تجربة النزلاء الذين يشاهدون آخرين يُقتادون يومياً إلى غرف الإعدام. كما أوضحت أن أسر الضحايا غالباً ما لا تُبلَّغ بوضع أحبائها، بل إن بعض الأسر، في حالات معينة، تعلم بخبر الإعدام من خلال مكالمات غير رسمية من نزلاء آخرين بدلاً من السلطات.
وتناول يحيى عسيري، في مداخلته، جذور المشكلة: النظام نفسه. ونظراً لعدم استقلالية القضاء واعتماده الكامل على من يمسك بزمام السلطة، يبقى من الصعب فهم ما يحدث فعلياً للمتهمين في كل مرحلة، من التوقيف إلى الاحتجاز ثم المحاكمة، يث يعمل المحامون فعليًّا كوكلاء للدولة، متبعين تعليمات المحكمة بدلاً من العمل باستقلالية. كما تساهم عقوبة الإعدام في تسهيل استمرار إساءة استخدام قانون مكافحة الإرهاب السعودي لإسكات المنتقدين استناداً إلى تعريفات فضفاضة للغاية.
وأشارت دانا أحمد إلى نتائج حديثة صادرة عن منظمة العفو الدولية، تظهر ارتفاعاً في عمليات الإعدام المتعلقة بجرائم المخدرات، مع تحمّل الرعايا الأجانب وطأة هذا الارتفاع بشكل أكبر. فرغم أن الرعايا الأجانب يشكلون نحو 40% من السكان، فإنهم مثّلوا نحو 75% من مجموع عمليات الإعدام المنفذة بين يناير 2015 ويونيو 2025. كما يُستهدف الأشخاص من الفئات ذات الخلفية الاجتماعية والاقتصادية الفقيرة بشكل غير متناسب، مما يزيد من هشاشتهم، إذ لا يستطيع كثير منهم فهم الإجراءات المتخذة بحقهم أو الحصول على الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وهو ما يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية. كما تجد الأسر نفسها أمام نظام عدالة جنائية غامض تماماً، وفي بعض الأحيان من الخارج. فهي لا تستطيع حضور جلسات الاستماع أو مقابلة المحامين، وتضطر إلى الاعتماد على مكالمات هاتفية متقطعة ومعلومات محدودة عن سير الإجراءات القانونية، وسط أعباء نفسية وعاطفية جسيمة.
وقبل الختام، وخلال جلسة الأسئلة والأجوبة، سأل ممثل من الاتحاد الأوروبي عن الدور الذي يمكن أن يؤديه مجلس حقوق الإنسان في هذا الشأن. وشجّع يحيى عسيري الدول على الحفاظ على تواصل وثيق مع المنظمات غير الحكومية التي توثّق الانتهاكات، ودعا إلى استمرار التقارير المستقلة لكشف الواقع الميداني في ظل تصاعد أعداد عمليات الإعدام. واختتمت فلاح السيد كلمتها بالتأكيد على أهمية إثارة نتائج خبراء وهيئات الأمم المتحدة خلال الحوارات الثنائية مع السعودية، مضيفة أن هذا قد يُظهر للحكومة السعودية أن الرقابة الدولية على سجلها لا تزال حية وقائمة بقوة.