28 أبريل 2026
العلم الجزائري يرفرف أمام سماء مغيمة، © مرخص بموجب Shutterstock.
1. مقدّمة
أصبح الإطار القانوني الجزائري لمكافحة الإرهاب أداةً رئيسة في الحملة المنهجية التي تنتهجها السلطات لإسكات المعارضة. وتشكّل المادة 87 مكرّر من قانون العقوبات حجر الزاوية في هذه الحملة، وهي مادة فضفاضة وواسعة النطاق تُعرّف الأفعال ذات الصلة بالإرهاب تعريفًا واسعًا إلى حدّ يمكن معه إدراج الاحتجاج السلمي، والعمل الصحفي، والنشاط النقابي، والعمل في مجال حقوق الإنسان ضمن نطاق هذه المادة. وأُدرجت هذه المادة في قانون العقوبات سنة 1995، وجرى توسيعها تدريجيًا عبر تعديلات متعاقبة في أعوام 2014 و2016 و2021 و2024، لتصبح المادة 87 مكرر الأداة المفضّلة لدى السلطات لتجريم المعارضة.
ووجّهت انتقادات دولية باستمرار تجاه الإطار الجزائري لمكافحة الإرهاب بسبب تداعياته على حقوق الإنسان والحريات الأساسية، سواء في التشريع أو التطبيق. فقد دقّ خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة ناقوس الخطر مرارًا بشأن عدم توافق المادة 87 مكرّر مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، محذّرين من أنّ تعريفها الغامض والواسع للإرهاب يتيح للسلطات تجريم الممارسة السلمية للحقوق الأساسية. وعلى الرغم من تزايد الضغوط الدولية، لم تكتفِ السلطات الجزائرية بعدم إصلاح هذه المادة، بل عمدت إلى توسيع نطاقها من خلال تعديلات تشريعية متعاقبة.
وقد وثّقت منظمة منّا لحقوق الإنسان حالات اعتقال واحتجاز وملاحقة قضائية تعسفية لمدافعين عن حقوق الإنسان، وصحفيين، ومحامين، ونشطاء سلميين بموجب المادة 87 مكرّر وأحكام أخرى ذات صلة. وازدادت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ عقب بروز حركة الحراك الاحتجاجية سنة 2019. ووفقًا للمدافع عن حقوق الإنسان وسجين الرأي السابق زكي حنّاش، فقد سُجن أكثر من 1400 شخص لدوافع ذات طابع سياسي منذ اندلاع الحراك، ووُجّهت إلى العديد منهم تهم تتعلق بالإرهاب أو بأمن الدولة.
2. الإطار القانوني
يرتكز الإطار القانوني الجزائري لمكافحة الإرهاب أساسًا على المادة 87 مكرّر من قانون العقوبات وعلى مجموعة من الأحكام ذات الصلة التي أُدرجت وتم توسيعها على مدى ثلاثة عقود. وقد أُدخلت هذه المادة لأول مرة سنة 1995، وهي تُعرّف الأفعال «الإرهابية أو التخريبية» بالإشارة إلى مفاهيم واسعة وغير دقيقة مثل «أمن الدولة» و«الوحدة الوطنية» و«استقرار المؤسسات وسيرها العادي»، وهو ما يترك هامشًا واسعًا للسلطات في تحديد السلوك الذي يندرج ضمن نطاق هذه المادة. ومنذ عام 1995، جرى توسيع هذا الإطار بشكل ملحوظ عبر أربع جولات متتالية من التعديلات التشريعية في أعوام 2014 و2016 و2021 و2024، حيث وسّعت كل جولة إمّا تعريف الإرهاب أو نطاق الجرائم المرتبطة به أو كليهما. وكما حذّر خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة مرارًا، فإنّ هذا التراكم من الأحكام الغامضة والواسعة يُنشئ إطارًا يتعارض جوهريًا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويُعرّضه لإساءة الاستخدام ضد من يمارسون حقوقهم الأساسية بشكل سلمي.
2.1 المادة 87 مكرر: النشأة والإدراج في قانون العقوبات عام 1995
يرتكز الإطار القانوني الجزائري لمكافحة الإرهاب أساسًا على المادة 87 مكرر من قانون العقوبات. وعلى الرغم من أنّ قانون العقوبات نفسه يعود إلى سنة 1966، فإنّ المادة 87 مكرر لم تكن جزءًا من نصّه الأصلي، بل أُدرجت سنة 1995 بموجب الأمر رقم 95-11 المؤرخ في 25 فبراير سنة 1995، الذي أضاف قسمًا جديدًا إلى قانون العقوبات بعنوان «الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية»، مع إلغاء مرسوم مستقل لمكافحة الإرهاب كان ساري المفعول منذ سنة 1992.
في صيغتها الأصلية، عرّفت المادة 87 مكرّر الفعل «الإرهابي أو التخريبي» بأنه كل فعل يستهدف «أمن الدولة والسلامة الترابية واستقرار المؤسسات وسيرها العادي»، ويُرتكب بقصد «بث الرعب في أوساط السكان وخلق جو انعدام الأمن من خلال الاعتداء المعنوي أو الجسدي على الأشخاص أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو المس بممتلكاتهم»، أو «عرقلة حركة المرور أو حرية التنقل في الطرق والتجمهر أو الاعتصام في الساحات العمومية»، أو «الاعتداء على رموز الأمة والجمهورية ونبش أو تدنيس القبور»، أو «الاعتداء على وسائل المواصلات والنقل والملكيات العمومية والخاصة و الاستحواذ عليها أو احتلالها دون مسوغ قانوني»، أو «الاعتداء على المحيط أو إدخال مادة أو تسريبها في الجو أو في باطن الأرض أو إلقائها عليها أو في المياه بما فيها المياه الإقليمية من شأنها جعل صحة الإنسان أو الحيوان أو البيئة الطبيعية في خطر»، أو «عرقلة عمل السلطات العمومية أو حرية ممارسة العبادة والحريات العامة وسير المؤسسات المساعدة للمرفق العام»، أو «عرقلة سير المؤسسات العمومية أو الاعتداء على حياة أعوانها أو ممتلكاتهم أو عرقلة تطبيق القوانين والتنظيمات. »
وفضلًا عن ذلك، تخضع جميع هذه الجرائم منذ البداية لنظام العقوبات الاستثنائي المنصوص عليه في المادة 87 مكرر 1، التي تقضي بأن تُطبق عقوبة «الإعدام عندما تكون العقوبة المنصوص عليها في القانون، السجن المؤبد»، وتطبق عقوبة «السجن المؤبد عندما تكون العقوبة المنصوص عليها في القانون، السجن المؤقت من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة»، وتطبق عقوبة «السجن المؤقت من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة عندما تكون العقوبة المنصوص عليها في القانون، السجن من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات، وتكون العقوبة مضاعفة بالنسبة للعقوبات الأخرى». كما تُوسّع المادة 87 مكرر 2 هذه الفكرة، إذ تنص على أنّه بالنسبة لكل الأفعال غير التابعة للأصناف المشار إليها في المادة 87 مكرر، «تكون العقوبة ضعف العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات أو في النصوص الخاصة الأخرى، عندما تكون نفس هذه الأفعال مرتبطة بالإرهاب أو التخريب».
كما يُجرّم قانون العقوبات طيفًا واسعًا من الأفعال المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية، إذ تنص المادة 87 مكرر 3 على أنّ « يُعاقب بالسجن المؤبد كل من ينشئ أو يؤسس أو ينظم أو يسير أية جمعية أو تنظيم أو جماعة أو منظمة يكون غرضها أو تقع أنشطتها تحت طائلة أحكام المادة 87 مكرر، كما يعاقب بالسجن المؤقت من عشر (10) إلى عشرين (20) سنة كل انخراط أو مشاركة، مهما يكن شكلها، في الجمعيات أو التنظيمات أو الجماعات أو المنظمات المذكورة في الفقرة السابقة، مع معرفة غرضها أو أنشطتها.»
ولا يقتصر الإطار القانوني على الأفعال التنظيمية، بل يمتد ليشمل كل من يدعم أو يروّج للأفعال الإرهابية. حيث تنص المادة 87 مكرر 4 على أنّ «كل من يُشيد أو يشجع أو يُموّل، بأية وسيلة كانت» الأفعال المصنّفة إرهابية أو تخريبية بموجب المادة 87 مكرر، يُعاقب بالسجن المؤقت من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات وبغرامة مالية من 100.000 دينار جزائري إلى 500.000 دينار جزائري.
كما تنص المادة 87 مكرر 5 على أنّ «كل من يعيد عمدًا طبع أو نشر الوثائق أو المطبوعات أو التسجيلات التي تشيد» بالأفعال المصنّفة إرهابية أو تخريبية، يُعاقب بالسجن المؤقت من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات وبغرامة مالية من 100.000 دينار جزائري إلى 500.000 دينار جزائري.
ويمتد نطاق هذا الإطار إلى خارج حدود الجزائر، إذ تنص المادة 87 مكرر 6 على أنّ «كل جزائري ينشط أو ينخرط في الخارج في جمعية أو جماعة أو منظمة إرهابية أو تخريبية مهما كان شكلها أو تسميتها حتى وإن كانت أفعالها غير موجهة ضد الجزائر»، يُعاقب بالسجن المؤقت من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة وبغرامة مالية من 500.000 دينار إلى 1.000.000 دينار جزائري. وإذا كانت هذه الأفعال تهدف إلى «الإضرار بمصالح الجزائر»، فإن العقوبة تكون السجن المؤبد.
2.2 تعديلات سنة 2014: توسيع نطاق الأفعال الإرهابية أو التخريبية
في سنة 2014، قامت الجزائر بتوسيع تعريف المادة 87 مكرر من قانون العقوبات ليشمل أفعالًا إضافية تتعلق بالنقل والملاحة، وتخريب وسائل الاتصال، واحتجاز الرهائن، والاعتداءات باستعمال المتفجرات، فضلًا عن «تمويل إرهابي أو منظمة إرهابية».
2.3 تعديلات سنة 2016: تجريم النشاط عبر الإنترنت والسفر إلى الخارج
في سنة 2016، وسّعت الجزائر إطارها القانوني لمكافحة الإرهاب ليشمل السفر إلى دولة أخرى واستعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، وذلك بإدراج مادتين جديدتين في قانون العقوبات.
تنص المادة 87 مكرر 11 على تجريم سفر أو محاولة سفر المواطنين الجزائريين أو الأجانب المقيمين إلى دولة أخرى بغرض ارتكاب أفعال إرهابية أو تدبيرها أوالاعداد لها أو المشاركة فيها أو التدريب على ارتكابها أو لتلقي تدريب عليها، ويُعاقب على ذلك بالسجن من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات وبغرامة مالية من 100.000 إلى 500.000 دينار جزائري. وتُطبق العقوبات نفسها على كل من يقوم عمدًا بتمويل أو تنظيم هذا السفر، أو يستعمل تكنولوجيات الإعلام والاتصال لارتكاب أي من الأفعال المنصوص عليها في هذه المادة. أما المادة 87 مكرر 12، فتنص على تجريم استعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال من أجل تجنيد أشخاص لصالح إرهابي أو جمعية أو تنظيم أو جماعة أو منظمة يكون غرضها أو تقع أنشطتها في نطاق أحكام مكافحة الإرهاب، أو دعم أفعالها أو أنشطتها أو نشر أفكارها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويُعاقب على ذلك بالسجن من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات وبغرامة مالية من 100.000 إلى 500.000 دينار جزائري.
2.4 تعديلات سنة 2021: توسيعات ما بعد الحراك والقائمة الوطنية للإرهابيين
في أعقاب حركة الحراك الاحتجاجية، صدر أمر رئاسي سنة 2021 وسّع بشكل ملحوظ الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب، سواء من خلال توسيع تعريف الأفعال الإرهابية أو التخريبية المنصوص عليها في المادة 87 مكرر، أو من خلال استحداث قائمة وطنية للإرهابيين والكيانات الإرهابية.
وقد عدّل هذا الأمر الصيغة الافتتاحية للمادة 87 مكرر، حيث استُبدلت عبارة «السلامة الترابية» بعبارة «الوحدة الوطنية» ضمن المصالح المحمية التي تُعرَّف على أساسها الأفعال الإرهابية أو التخريبية. كما وسّع التعريف بإضافة فعلين جديدين، هما:
»السعي بأي وسيلة، للوصول إلى السلطة أو تغيير نظام الحكم بغير الطرق الدستورية، أو التحريض على ذلك»، و«المساس بأي وسيلة بالسلامة الترابية أو التحريض على ذلك.»
كما أدخل الأمر ذاته المادتين 87 مكرر 13 و87 مكرّر 14 إلى قانون العقوبات، مُنشئًا بذلك قائمة وطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية. وتنص المادة 87 مكرر 13 على إحداث قائمة وطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية تشمل كل من يرتكب أحد الأفعال المنصوص عليها في المادة 87 مكرر، ويتم تصنيفهم «كشخص إرهابي» أو «تنظيم إرهابي» من قبل لجنة تصنيف. كما تُحدد المادة أنه لا يمكن تسجيل أي شخص أو كيان في هذه القائمة إلا إذا كان محل تحقيقات أولية أو متابعة جزائية أو صدر ضده حكم أو قرار بالإدانة. ويُنشر قرار التسجيل في القائمة الوطنية في الجريدة الرسمية، ويُعدّ هذا النشر تبليغًا للمعنيين، الذين يحق لهم طلب شطب أسمائهم من القائمة الوطنية خلال أجل ثلاثين (30) يومًا من تاريخ نشر قرار التسجيل.
أما المادة 87 مكرر 14، فتنص على أنّ التسجيل في القائمة الوطنية يترتب عليه حظر نشاط الشخص أو الكيان المعني، وحجز و/أو تجميد أمواله والأموال المتأتية من ممتلكاته أو التي يسيطر عليها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو عبر أشخاص يعملون لصالحه أو يأتمرون بأوامره. كما يترتب على التسجيل منع من السفر، يُفرض بموجب قرار قضائي بناءً على طلب اللجنة.
2.5 تعديلات سنة 2024: جرائم جديدة وتمديد فترات عدم الإفراج المشروط
في سنة 2024، أُدخلت مجموعة جديدة من التعديلات على قانون العقوبات، وسّعت الإطار الجزائري لمكافحة الإرهاب على عدة مستويات.
فقد قامت تعديلات سنة 2024 بمراجعة وتوسيع آلية القائمة الوطنية للإرهابيين المنصوص عليها في المادة 87 مكرر 13، حيث تم تمديد نطاقها ليشمل، إلى جانب الأفعال الداخلة في إطار المادة 87 مكرر، الأفعال المنصوص عليها في القانون رقم 05-01 لسنة 2005 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحته، وكذلك أفعال المشاركة في تمويل أو تنظيم أو تسهيل أو التدبير أو تنفيذ الجرائم الإرهابية أو دعمها بأي شكل من الأشكال.
وقد أُدرجت كذلك أربع مواد جديدة. تنص المادة 87 مكرر 15 على تجريم «تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل». كما تنص المادة 87 مكرّر 16 على أن يعاقب الشروع في الجرائم المنصوص عليها في هذا القسم بالعقوبات المقررة للجريمة التامة. وتُقرّر المادة 87 مكرّر 17 المصادرة الوجوبية لكل الأموال أو العائدات الناتجة عن الجرائم المرتبطة بالإرهاب المنصوص عليها في المادة 87 مكرر، حتى في حالة الحكم بانقضاء الدعوى العمومية. أما المادة 87 مكرر 18، فتُجرّم تقديم موارد مالية أو اقتصادية للأشخاص المسجلين في قوائم الأشخاص والكيانات الإرهابية، ويُعاقب على ذلك بالسجن من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة من 100.000 إلى 300.000 دينار جزائري.
كما عدّلت تعديلات سنة 2024 المادة 96 من قانون العقوبات، التي تُجرّم نشر محتوى من شأنه «الإضرار بالمصلحة الوطنية»، وذلك لتشمل صراحة الأفعال المرتكبة عبر تكنولوجيات الإعلام والاتصال.
وتمت أيضًا مراجعة المادة 87 مكرر 9 لجعل الفترة الأمنية المنصوص عليها في المادة 60 مكرر قابلة للتطبيق على جميع الجرائم الواردة في قسم مكافحة الإرهاب من قانون العقوبات. وتقضي هذه الآلية بحرمان المحكوم عليهم من الاستفادة من أي تدبير لتخفيف العقوبة أو الإفراج المبكر، بما في ذلك وقف التنفيذ، أو نظام العمل خارج المؤسسة العقابية، أو الخروج المؤقت، أو شبه الحرية، أو الإفراج المشروط، وذلك لمدة تعادل نصف العقوبة المحكوم بها، أو عشرين (20) سنة في حالة الحكم بالسجن المؤبد.
3. عقدان من الانتقادات الدولية
أثار الإطار الجزائري لمكافحة الإرهاب انتقادات دولية مستمرة ومتزايدة على مدى ما يقارب عقدين. فمنذ سنة 2008، أعربت عدة هيئات تابعة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقها بشأن مدى توافق هذا الإطار مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، من بينها لجنة مناهضة التعذيب، ولجنة حقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، والمقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، والمقرر الخاص المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، والمقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، وغيرهم.
3.1 التعريف الغامض والواسع للإرهاب بموجب المادة 87 مكرر
يعود القلق الدولي بشأن المادة 87 مكرر إلى سنة 2008، حين أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها إزاء الطابع الغامض لتعريف هذه المادة، محذّرةً من أنه قد «يمتد ليشمل أفعالًا قد لا تكون مرتبطة بالإرهاب»، ومؤكدةً أن تعريف الأفعال الإرهابية ينبغي ألا يفسح المجال لتفسيرات تُفضي إلى معاقبة الممارسة المشروعة للحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية باعتبارها أفعالًا إرهابية.
وفي سنة 2018، أعادت لجنة حقوق الإنسان ذكر هذه المخاوف، مشيرةً إلى أنّ المادة 87 مكرر تُعرّف جريمة الإرهاب بعبارات فضفاضة وغامضة على نحو قد يتيح ملاحقة أفعال يمكن أن تندرج ضمن ممارسة حرية التعبير أو التجمع السلمي، معربةً عن قلقها إزاء الاستخدام غير المناسب لتدابير مكافحة الإرهاب ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين. ودعت اللجنة الجزائر إلى تعديل المادة 87 مكرر من قانون العقوبات بما يضمن تحديدًا واضحًا لما يُشكّل فعلًا إرهابيًا.
بدلًا من معالجة هذه الشواغل، قامت السلطات الجزائرية بتوسيع نطاق المادة 87 مكرر أكثر من خلال تعديلات سنة 2021. وردّت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة بمراسلة مفصلة تناولت على وجه الخصوص التعريف المُعدّل، مؤكدةً أنه لا يتماشى مع المعايير الدولية. ولاحظ خبراء الأمم المتحدة أنه حتى بعد التعديل، فإن المادة 87 مكرر لا تستوفي العناصر الثلاثة التراكمية التي اقترحها المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب لتعريف الإرهاب تعريفًا سليمًا: إذ لا يُشترط استعمال وسائل قاتلة؛ كما أنّ نية بث الرعب ليست عنصرًا إلزاميًا بل مجرد غاية محتملة من بين عدة غايات؛ فضلًا عن أنّ العنصر الإيديولوجي غير منصوص عليه بشكل واضح.
وأعرب الخبراء عن قلق خاص بشأن إحدى الإضافات التي جاءت بها تعديلات 2021، والمتمثلة في تجريم «السعي بأي وسيلة، للوصول إلى السلطة أو تغيير نظام الحكم بغير الطرق الدستورية، أو التحريض على ذلك». وحذّروا من أنّ مثل هذه الصياغة قد تؤثر سلبًا على حريات التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، إذ يمكن تطبيقها ضد النشطاء والمتظاهرين السلميين الذين يسعون إلى الدفع بمطالبهم وحركاتهم عبر قنوات غير تلك التي يتيحها الإطار المؤسسي الذي وضعته السلطات.
وفي سنة 2023، قام مقرران خاصان تابعان للأمم المتحدة بزيارات رسمية إلى الجزائر وأصدرا تقارير عبّرا فيها عن مخاوف جدية بشأن إطار مكافحة الإرهاب في البلاد. فقد أفاد المقرر الخاص السابق المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات بأنه في كل محادثة تقريبًا أجراها مع ممثلي المجتمع المدني، أُثيرت شواغل بشأن المادة 87 مكرر. وأكد أن هذه المادة لا تتوافق مع مبدأ اليقين القانوني، وأن العدد الكبير من فاعلي المجتمع المدني الذين يواجهون تُهمًا متعلقة بالإرهاب بموجب المادة 87 مكرر من قانون العقوبات يشكّل دليلًا على مناخ الشك السائد تجاه فاعلي المجتمع المدني. وأوصى في نهاية المطاف بأن تقوم الجزائر بإلغاء هذه المادة. كما أشارت المقررة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان بدورها إلى أن تعريف الإرهاب في المادة 87 مكرر واسع وغامض إلى درجة يتيح معها اعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان على نطاق واسع، داعيةً الجزائر إلى تعديلها ومواءمتها مع المعايير الدولية التي تقتضي أن يكون تعريف الإرهاب والجرائم المرتبطة به متاحًا، ومصاغًا بدقة، وغير تمييزي، وغير ذي أثر رجعي.
في ديسمبر 2025، وجّه ثمانية من أصحاب الولايات في إطار الإجراءات الخاصة مراسلة جديدة إلى السلطات الجزائرية، قدّموا فيها أكثر تقييم تفصيلي حتى الآن لعدم توافق المادة 87 مكرر مع القانون الدولي. وبالتطرق إلى تعديلي 2021 و2024 معًا، أعرب الخبراء عن قلقهم من أن هذه التعديلات يبدو أنها وسّعت تعريف الإرهاب بشكل إضافي، محذرين من أنّ هذا التوسيع يخلق خطر تجريم الممارسة المشروعة للحقوق الأساسية، بما يتعارض مع التزامات الجزائر الدولية.
كما نبّهوا إلى أنّ بعض عناصر الجرائم الواردة في المادة 87 مكرر مبهمة وواسعة بشكل مفرط، ولا تستوفي شرط اليقين القانوني المنصوص عليه في المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي الجزائر هي دولة طرف فيه منذ سنة 1989. وأكدوا كذلك خطر أن يتم إساءة استخدام هذه المادة لقمع حرية التعبير، والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، وانتقاد الحكومة أو معارضتها، والمشاركة في الحياة الثقافية، وأنشطة الدفاع المشروع عن حقوق الإنسان والمناصرة. وخلصوا إلى أنّ عدم دقة أحكام المادة 87 مكرر يجعلها غير متوافقة مع مبدأ الشرعية المكرّس في قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي، ويفتح الباب أمام تجريم مفرط وتعسفي، قد يرقى في بعض الحالات إلى شكل من أشكال المضايقة القضائية.
3.2 الإشادة والنشر والإضرار بالمصلحة الوطنية: اتساع مفرط في الأحكام ذات الصلة
إلى جانب التعريف الأساسي للإرهاب، أثارت مراسلة ديسمبر 2025 قلقًا خاصًا بشأن عدد من الأحكام المرتبطة بالتعريف. إذ تنص المادة 87 مكرر 4 والمادة 87 مكرر 5 على عقوبة سجنٍ مؤقت تتراوح بين خمس (5) وعشر (10) سنوات: الأولى بحق «كل من يُشيد أو يشجع أو يُموّل، بأي وسيلة كانت» الأفعال الإرهابية أو التخريبية؛ والثانية بحق «كل من يعيد عمدًا طبع أو نشر وثائق أو مطبوعات أو تسجيلات» تُعدّ بمثابة «إشادة» لهذه الأفعال.
وقد أعرب الخبراء عن قلقهم إزاء «النطاق الواسع وغير الدقيق وغير القابل للتوقع» لمفاهيم «الإشادة» و«التشجيع» على الإرهاب في هاتين المادتين، مشيرين على وجه الخصوص إلى أنّ المادة 87 مكرر 5 «لا تنص على استثناءات تتعلق بتبادل المعلومات لأغراض مشروعة، مثل العمل الإعلامي أو الإخبار العمومي أو التعليم أو البحث»، وأنها «قد تستخدم لقمع أنشطة أو تعبيرات مشروعة، ولتثبيط النقاش العام». كما أثاروا القلق ذاته بشأن المادة 87 مكرر 12، التي تُجرّم استعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال لدعم أو نشر أفكار «منظمة إرهابية»، منوّهين إلى أنها تتضمن عناصر غامضة وغير دقيقة ولا توفر أي استثناءات لأغراض مشروعة مثل الإعلام أو التعليم أو البحث.
كما أُثيرت مخاوف بشأن أحكام أخرى خارج نطاق المادة 87 مكرر نفسها. فقد أعرب كل من المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، والمقرر الخاص المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، عقب زيارتيهما إلى الجزائر سنة 2023، عن قلقهما إزاء المادة 96 من قانون العقوبات، التي تُجرّم نشر محتوى من شأنه «الإضرار بالمصلحة الوطنية». وقد أدرجها المقرر الخاص المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات ضمن مجموعة من الأحكام ذات الصياغة الفضفاضة المستخدمة لتقييد الحقوق الأساسية، موصيًا بتعديلها بما يضمن عدم استخدامها لحرمان الأفراد من حقوقهم في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات وحرية الرأي والتعبير، سواء في الواقع أو عبر الإنترنت. وكانت هذه المخاوف قد أُثيرت سابقًا من قبل لجنة حقوق الإنسان سنة 2018، التي لاحظت أنّ المادة 96 تُجرّم أنشطة مرتبطة بممارسة حرية التعبير، وتُستخدم لعرقلة عمل الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
3.3 القائمة الوطنية للأشخاص الإرهابيين
فيما يتعلق بالقائمة الوطنية للأشخاص الإرهابيين والكيانات الإرهابية، التي أُنشئت بموجب تعديلات سنة 2021، حذّرت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة من أنها قد تسمح بتصنيف أشخاص أو كيانات علنًا على أنهم «إرهابيون» دون استكمال محاكمة قضائية، بما يتعارض مع افتراض البراءة، نظرًا لكون القائمة إجراءً إداريًا لا يتطلب رقابة قضائية.
3.4 شدة العقوبات
لفت خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة أيضًا الانتباه إلى الطابع الاستثنائي لشدّة العقوبات التي يقوم عليها هذا الإطار. اعترضت مراسلة ديسمبر 2025 بشكل خاص لعقوبة الإعدام المطبّقة على الجرائم الإرهابية بموجب المادة 87 مكرر 1، والتي جاءت بصياغة واسعة تشمل أفعال التخريب الموجهة ضد أمن الدولة أو الوحدة الوطنية أو استقرار المؤسسات وسيرها العادي. وأكد الخبراء أنّ مثل هذا التجريم لا يستوفي شرط الشرعية، ويشمل أفعالًا لا يمكن اعتبارها من «أشد الجرائم خطورةً» بالمعنى المقصود في المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
3.5 دور الجزائر في منظومة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب
على نحوٍ مفارق، ورغم هذه الانتقادات الدولية المستمرة والمتزايدة، اضطلعت الجزائر بدور مؤثر داخل منظومة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك ترؤس لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن خلال الفترة 2024–2025، وعضويتها في المجلس الاستشاري لمركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. وتمنح هذه المكانة الجزائر منصة للمساهمة في صياغة المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب، في الوقت الذي تنتهك فيه بشكل منهجي المبادئ الحقوقية التي يُفترض أن تحميها تلك المعايير.
وبدلًا من مساءلتها عن هذه الانتهاكات، وُضعت الجزائر في موقع يمكّنها من تحديد ما يُعتبر مكافحةً مشروعة للإرهاب على الصعيد الدولي، وهو تناقض لا يقتصر على تقويض مصداقية منظومة مكافحة الإرهاب العالمية فحسب، بل يهدد أيضًا بإضفاء الشرعية على استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب ذات الصياغات الفضفاضة كأداة للقمع.
4. إسكات المعارضة: حالات قمع فردية بموجب المادة 87 مكرر
منذ انطلاق حركة الحراك سنة 2019، اعتمدت السلطات الجزائرية بشكل متزايد على المادة 87 مكرر لقمع الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والنقابيين، وغيرهم من المنتقدين السلميين. ووفقًا للمدافع البارز عن حقوق الإنسان وسجين الرأي السابق زكي حنّاش، فقد سجنت السلطات أكثر من 1400 شخص لدوافع ذات طابع سياسي منذ الحراك، وُجّهت إلى العديد منهم تهم تتعلق بالإرهاب أو بأمن الدولة.
وفي سنة 2021، صنّفت السلطات الجزائرية حركة المعارضة السياسية «رشاد» وحركة تقرير مصير منطقة القبائل (الماك) كـ«منظمات إرهابية». وقد تم هذا التصنيف من قبل المجلس الأعلى للأمن، وهو هيئة استشارية يرأسها رئيس الجمهورية، ولا تخضع الهيئة لرقابة قضائية. وأشرف المجلس لاحقًا على اعتقال وملاحقة عدد من الأفراد المشتبه في انتمائهم إلى «الماك» و«رشاد»، استنادًا إلى صلاتهم بتنظيمات كانت تُمارس أنشطة سلمية سابقًا. وفي سبتمبر 2021، أوقفت السلطات 15 ناشطًا أمازيغيًا، إلى جانب الصحفي محمد مولوج، ووجّهت إليهم تُهمًا ذات صلة بالإرهاب بسبب صلاتهم المزعومة بـ«الماك».
وبالمثل، تمت ملاحقة أعضاء الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (LADDH)، التي تم حلّها، بتهم تتعلق بالإرهاب عقب توقيفهم في أبريل 2021. وشمل المستهدفون المدافع عن حقوق الإنسان قدور شويشة، والصحفيين جميلة لوكيل وسعيد بودور، إلى جانب 13 ناشطًا سلميًا آخر. وبعد سنوات من الإجراءات القضائية، تمت تبرئتهم في ديسمبر 2023، وتم تأييد حكم البراءة في الاستئناف في فبراير 2025، غير أنّ النيابة العامة طعنت لاحقًا في الحكم أمام المحكمة العليا. وقد أصدرت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة مراسلات بشأن قضيتهم في أبريل 2021 ويونيو 2023.
وفي وقت لاحق من سنة 2021، حكمت السلطات الجزائرية على المدافع عن حقوق الإنسان محاد قاسمي بالسجن ست (6) سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب». وقد أُفرج عنه بعد أربع سنوات من السجن بموجب عفو رئاسي. ويُعدّ قاسمي، وهو مدافع عن الحقوق البيئية والاجتماعية من جنوب الجزائر، منخرطًا في حركة العاطلين عن العمل، وفي الحراك المناهض لاستخراج الغاز الصخري، كما كان مشاركًا نشطًا في «الحراك».
وفي سنة 2022، تم توقيف زكي حنّاش وتوجيه تهمة «الإشادة بالإرهاب» إليه. وبعد الإفراج عنه بشروط، طلب اللجوء لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تونس، بسبب التهديدات التي واجهها في الجزائر على خلفية عمله المشروع في مجال حقوق الإنسان. ويُعدّ حناش مدافعًا أمازيغيًا عن حقوق الإنسان، وقد وثّق منذ سنة 2019 عمليات توقيف وملاحقة سجناء الرأي، ليصبح أحد أبرز مصادر المعلومات حول الاعتقالات التعسفية في الجزائر بالنسبة للمجتمع المدني المحلي والدولي، وكذلك لآليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
وفي سنة 2023، وُجّهت إلى المدافع عن حقوق الإنسان أحمد منصري تهمة «الانتماء إلى منظمة إرهابية». وكان منصري، رئيس فرع تيارت للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (المنحلة)، قد أُوقف بعد أسابيع فقط من لقائه بالمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، وقد أُدرجت صورة لذلك اللقاء، بحسب ما ورد، ضمن ملف قضيته.
وفي سنة 2024، وُجّهت إلى المحامي سفيان وعلي تهم «جناية الإشادة بالأفعال الإرهابية والتحريض عليها» و«استعمال وسائل الإعلام وتكنولوجيات الاتصال لدعم أفعال وأنشطة منظمات إرهابية ونشر أفكارها بصفة مباشرة أو غير مباشرة»، ولا يزال في انتظار المحاكمة وقت كتابة هذا النص. وكان وعلي قد تولّى الدفاع عن عدد من سجناء الرأي، وتعود التهم الموجهة إليه إلى وقفة احتجاجية نظّمها في يوليو 2024 تضامنًا مع إحدى موكلاته، الناشطة الأمازيغية ميرة مقناش. وقد وجّهت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة مراسلة إلى السلطات الجزائرية بشأن قضيته، معربة عن قلقها من الاستخدام المتكرر للمادة 87 مكرر ضد النشطاء، ومؤكدة أنّ هذه المادة تقوّض مبدأ اليقين القانوني وحقوق التجمع السلمي وحرية التعبير، وتفرض عقوبات غير متناسبة على أفعال لا ينبغي أن تُعالج في إطار تشريعات مكافحة الإرهاب.
أما الشاعر والمدافع عن حقوق الإنسان محمد تجاديت، المعروف بدوره البارز في «الحراك»، فقد تم توقيفه ما لا يقل عن ثماني مرات منذ سنة 2019، في ما يشكّل نمطًا من المضايقة القضائية المستمرة ردًا على انتقاداته السلمية للحكومة الجزائرية. وفي أكتوبر 2022، أصدر الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة الرأي رقم 45/2022 بشأن توقيفه واحتجازه سنة 2021 عقب نشره على وسائل التواصل الاجتماعي شهادة قاصر يزعم تعرضه لاعتداء جنسي أثناء الاحتجاز لدى الشرطة، وخلص إلى أنّ احتجازه كان تعسفيًا وشكّل انتهاكًا لحقه في حرية الرأي والتعبير.
في يناير 2024، تم توقيف محمد تجاديت مرةً أخرى، ووجّهت إليه تهم بموجب المادة 87 مكرر تتعلق بـ«الإشادة بالإرهاب» و«جناية استعمال وسائل الإعلام وتكنولوجيات الاتصال لدعم أفعال وأنشطة منظمات إرهابية ونشر أفكارها بصفة مباشرة أو غير مباشرة». وقد استندت هذه التهم إلى محادثات خاصة أجراها عبر تطبيق «مسنجر» سنة 2021 مع أعضاء من حركة «رشاد»، وذلك قبل تصنيفها كمنظمة إرهابية، إضافةً إلى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيها السلطات وأعرب عن دعمه لحركة «الحراك». وفي يناير 2026، حُكم عليه استئنافيًا بالسجن ثلاث (3) سنوات على خلفية هذه التهم المرتبطة بالإرهاب.
كما يواجه قضية منفصلة بتهم تتعلق بـ«الاعتداءات والمؤامرات وغيرها من الجرائم ضد سلطة الدولة وسلامة الوحدة الوطنية» بموجب المادة 77 من قانون العقوبات، وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. ومن المقرر أن تُعقد محاكمته في هذه القضية خلال الدورة الجنائية المقبلة لسنة 2026. وكان تجاديت قد حوكم سابقًا سنة 2021 وصدر بحقه حكم بالسجن على خلفية نفس منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وهو احتجاز اعتبره الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي تعسفيًا.
وتتعلق قضية حديثة أخرى بـعلي معمري، رئيس النقابة الوطنية لعمال قطاع الثقافة وعضو الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP)، حيث تم توقيفه في مارس 2025، بعد أربعة أيام فقط من انتخابه رئيسًا للنقابة. وقد وُجهت إليه تهم بموجب المادة 87 مكرر، بما في ذلك «الإشادة بالإرهاب»، استنادًا إلى تواصله مع قيادة الكونفدرالية التي وصفتها السلطات بأنها «منظمة تخريبية»، فضلًا عن نشاطه السلمي على وسائل التواصل الاجتماعي الذي اعتبرته السلطات بمثابة إشادة بالإرهاب. وقد حُكم عليه في أكتوبر 2025 بالسجن خمس عشرة (15) سنة، قبل أن تُخفَّض العقوبة استئنافيًا إلى عشر (10) سنوات في فبراير 2026.
وقد أعربت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة عن قلقها إزاء الأحكام الصادرة في قضيتي تجاديت ومعمري، محذّرةً من فرض عقوبات متعلقة بالإرهاب بحق مدافعين سلميين عن حقوق الإنسان. وأشارت إلى أنّ هذه الملاحقات «يبدو أنها مرتبطة بممارسة حقوقهم في حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك التعبير الفني، وحرية التجمع السلمي، والمشاركة في الحياة العامة، كما تكفلها المواد 17 و19 و21 و25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية». كما بيّنت أنّ هذه التدابير قد «تشكل أيضًا انتهاكًا للمواد 2 (عدم التمييز)، و7 (حظر التعذيب وسوء المعاملة)، و9 (الحرية والأمن)، و14 (الحق في محاكمة عادلة)، و16 (الاعتراف بالشخصية القانونية)، و17 (الخصوصية)، و26 (المساواة أمام القانون)» من العهد ذاته.
وتُبرز القضايا المذكورة أعلاه نمطًا منهجيًا ومتعمدًا من القمع، يتمثل في توظيف تشريعات مكافحة الإرهاب ذات الصياغة الفضفاضة لتجريم الممارسة المشروعة للحريات الأساسية، مما يؤدي إلى احتجاز تعسفي مطوّل، ومحاكمات مجحفة، وأحكام قاسية بشكل غير متناسب، وتفكيك تدريجي للحيز المدني.
5. خاتمة
تُظهر قرابة عقدين من الانتقادات الدولية المتواصلة أنّ الإطار الجزائري لمكافحة الإرهاب يتعارض جوهريًا مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويُستخدم بشكل منهجي كأداة لتقييد االفضاء المدني. وتُبيّن الحالات الموثقة في هذا التقرير نمطًا متعمدًا من استخدام قوانين فضفاضة ومبهمة لتجريم الممارسة المشروعة للحريات الأساسية. ووفقًا للمدافع عن حقوق الإنسان زكي حنّاش، يوجد حاليًا أكثر من 200 سجين رأي في الجزائر، وقد تمت ملاحقة العديد منهم أو الحكم عليهم بموجب أحكام مكافحة الإرهاب. كما أُجبر كثيرون آخرون على المنفى، أو أُسكتوا عبر الترهيب، أو خضعوا لمضايقات قضائية مستمرة.
ويجب إدخال إصلاحات شاملة على هذا الإطار بشكلٍ عاجلٍ. وفي الحد الأدنى، يجب تضييق تعريف الإرهاب في المادة 87 مكرر ومواءمته بشكل كامل مع المعايير الدولية، بما في ذلك مبادئ الشرعية والضرورة ووفقًا لتوصيات المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، ينبغي إلغاء هذا الإطار برمّته. كما يجب إخضاع آلية القائمة الوطنية للإرهابيين لرقابة قضائية مستقلة وفعالة. وأخيرًا، ينبغي الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع سجناء الرأي المحتجزين بسبب ممارستهم لحقوقهم الأساسية، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بذلك.
وإلى حين تنفيذ هذه الإصلاحات، سيظل الإطار الجزائري لمكافحة الإرهاب أداةً للضبط السياسي، تقوّض سيادة القانون وتُحكم الخناق على الممارسة السلمية للحقوق الأساسية.